عبد الوهاب بن علي السبكي

180

طبقات الشافعية الكبرى

يوما ويقول ما رأيت عاشقا للعلم أي نوع كان مثل هذا الإمام فإنه يطلب العلم للعلم وكان كذلك ومن حميد سيرته أنه ما كان يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه شاديا كان أو متناهيا فإن أصاب كياسة في طبع أو جريا على منهاج الحقيقة استفاد منه صغيرا كان أو كبيرا ولا يستنكف عن أن يعزى الفائدة المستفادة إلى قائلها ويقول إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان ولا يحابي أحدا في التزييف إذا لم يرض كلاما ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين وكان من التواضع لكل أحد بمحل يتخيل منه الاستهزاء لمبالغته فيه ومن رقة القلب بحيث يبكي إذا سمع بيتا أو تفكر في نفسه ساعة وإذا شرع في حكاية الأحوال وخاض في علوم الصوفية في فصول مجالسه بالغدوات أبكى الحاضرين ببكائه وقطر الدماء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقه في نفسه وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه إلى انتهاء أجله فأدركه قضاء الله الذي لا بد منه بعد ما مرض قبل ذلك مرض اليرقان وبقي به أياما ثم برأ منه وعاد إلى الدرس والمجلس وأظهر الناس من الخواص والعوام السرور بصحته وإقباله من علته فبعد ذلك بعهد قريب